منتدى سيف الله للإبداع

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد, يشرفنا أن تقوم بالدخول وذلك بالضغط على زر الدخول إن كنت عضوا بالمنتدى.أو التسجيل إن كنت ترغب بالإطلاع على مواضيع المنتدى والمشاركة في أقسام المنتدى فقط إضغط على زر التسجيل و شكرا لك
منتدى سيف الله للإبداع

منتدى سيف الله للإبداع


دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

شاطر
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في السبت يناير 31, 2015 7:13 pm

تمهيد




أولًا: أهمية معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته:







إن العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله: فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويفردوه بالعبادة وحده، ليحققوا الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق له العبد.



فتعظيم الأسماء والصفات من كمال التوحيد، وإن جحد الأسماء والصفات مناف لأصل التوحيد، فالذي يجحد اسمًا سمى الله به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم وثبت ذلك عنه وتيقنه، فإنه يكون كافرًا بالله تعالى كما قال سبحانه عن المشركين: ]وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ[[الرعد: 30].


وإن معرفة أسماء الله – تعالى – وصفاته هي أصل التوحيد، وأساس بناء الدين؛ إذ إن أساس الملة يرتكز على أمرين مهمين:



1- صحة المعرفة بالله تعالى وأمره وأسمائه وصفاته.
2- تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه([1]).



وقد كثرت آي القرآن العظيم المرسخة لهذا الأساس، حتى إنه لا تكاد تخلو آية من آياته من ذكر لأسماء الله تعالى، وصفاته العليا.



فجاء قسم منها يدعو إلى تعلم أسماء الله، ويحث على دعائه بها، قال – سبحانه -: ]فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[[البقرة: 209].


وقال: ]وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[[البقرة: 244].


وقال: ]اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[[المائدة: 98].


ومن الآيات التي دعت إلى دعاء الله بأسمائه والتضرع إليه بأوصافه قوله سبحانه: ]وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[[الأعراف: 180].


ولا ريب أن معرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته تمكن الإيمان في القلب، وتؤثر على الجوارح والأعمال، وقد قال تعالى: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ[[فاطر: 28].


قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسيرها: «إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر»([2]).


ويؤكد ابن القيم نفس المعنى فيقول في تفسير قوله تعالى: ]وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى[[النازعات: 19]، أي: إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته؛ لأن من عرف الله خافه، ومن لم يعرفه لم يخفه، فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته، وعلى قدر المعرفة تكون الخشية([3]).



وقال أيضًا في مدارج السالكين: «من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة منه فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته... وقال أحمد بن عاصم: من كان بالله أعرف كان له أخوف.. وقول النبي: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية»([4]).


والرب – جل وعلا – يحب من عباده أن يذكروه بصفات الكمال والجلال، ففي الحديث: «... ولا أحد أحب إليه المدحة من الله تعالى؛ ومن أجل ذلك وعد الله الجنة»([5]).


وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة»([6]).


وقد اهتم علماء الأمة بهذه المسألة – جمعًا وشرحًا – وبيانًا -، فمن جهة عامة نجد معظم كتب العقائد تناولت مسألة الأسماء والصفات، لكن من العلماء من أفرد مؤلفًا خاصًا بأسماء الله الحسنى وصفاته، منهم:



1- أبو إسحاق الزجاج (241هـ) في كتابه: تفسير أسماء الله الحسنى، ويُعد من أقدم ما أُلف في أسماء الله الحسنى تأليفًا مستقلًا.
2- أبو سليمان الخطابي (388هـ) في كتابه: شأن الدعاء، وهو في أصله شرح للأدعية التي جمعها إمام أهل الحديث ابن خزيمة.
3- ابن منده (395هـ) في كتابه: كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته على الاتفاق والتفرد.
4- أبو بكر البيهقي (458هـ) في كتابه: الأسماء والصفات.
5- أبو القاسم القشيري (465هـ) في كتابه: شرح أسماء الله الحسنى.
6- أبو حامد الغزالي (505هـ) وكتابه: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
7- الفخر الرازي (606هـ) وكتابه: لوامع البينات في الأسماء والصفات.
8- أبو عبد الله القرطبي (671هـ) وكتابه: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.



ثم تتابعت مؤلفات المعاصرين في هذا الشأن، حتى تكاد تخرج عن الحصر في مثل هذا البحث؛ مما يدل على أهمية هذا العلم عند المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة.


([1]) انظر: الفوائد لابن القيم (1/156).

([2]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/553).

([3]) التبيان في أقسام القرآن (83).

([4]) رواه البخاري بلفظ: أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية، (6101)، ومسلم (2356).

([5]) رواه البخاري (7416).

([6]) رواه البخاري (7392)، ومسلم (2677).


عدل سابقا من قبل SeIfElLaH في السبت يناير 31, 2015 7:18 pm عدل 1 مرات
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في السبت يناير 31, 2015 7:17 pm

ثانيًا: أسماء الله غير محصورة:

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا – مئة إلا واحدًا – من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر»([1]).


وقد يظن البعض أن ظاهر الحديث يدل على أن أسماء الله محصورة في هذا العدد، والذي عليه جمهور العلماء أن أسماء الله تعالى غير محصورة، وقد قال الخطابي عن الحديث السابق: «وفيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها»([2]).


وقد نقل النووي – رحمه الله- اتفاق العلماء على هذا فقال: «اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه – سبحانه وتعالى -، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر هذه الأسماء»([3]).


وممن نص على أن أسماء الله محصورة في التسعة والتسعين ابن حزم الأندلسي محتجًا بقوله: «مئة إلا واحدًا»([4]).


وقول الجمهور أقوى وأصح؛ لأنه ثبت من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «... أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك...»([5]).


والشاهد: قوله: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب، لا يمكن أحدًا حصره ولا الإحاطة به، وهذا هو الحق.



قال الإمام ابن القيم في شفاء العليل: «الحديث دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره»([6]).


ثالثًا: معنى الإحصاء للأسماء الحسنى([7]):



وعد الله الكريم – سبحانه وتعالى – من أحصى هذه الأسماء التسعة والتسعين أن يُدخله الجنة، واختلفت أقوال العلماء في معنى الإحصاء المذكور في الحديث، وسنذكر أقوالهم في ذلك على سبيل الإيجاز:



1- الإحصاء هو الحفظ.
2- المراد به الإطاقة، كقوله تعالى: ]عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ[[المزمل: 20]، يعني: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء، والعمل بمقتضاها.. دخل الجنة.
3- قالوا: الإحصاء هو الإحاطة بمعانيها.
4- أحصاها: أي عرفها.
5- أحصاها: يريد بها وجه الله وإعظامه.
6- عمل بها.
7- حفظ القرآن؛ ليكون مستوفيًا لها.
8- تتبعها من القرآن.
6- عدها وحفظها، قال ابن عطية: «ويتضمن ذلك الإيمان بها، والتعظيم لها، والرغبة فيها، والاعتبار بمعانيها»([8]).


وقال العلامة العثيمين: «وليس معنى أحصاها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ، ولكن معنى ذلك:



1- الإحاطة بها لفظًا.
2- فهمها معنى.
3- التعبد لله بمقتضاها»([9]).


والذي ذكره الشيخ العثيمين – رحمه الله – جامع لما ذكره العلماء في معنى الإحصاء، إذ إن معنى الإحصاء لابد له من هذه الثلاث مجتمعة.



رابعًا: قواعد أهل السنة في دراسة أسماء الله تعالى:



تميز منهج أهل السنة والجماعة في دراستهم وتقريرهم لأسماء الله تعالى بأنه منهج قائم على تعظيم النصوص الشرعية، ولزوم الكتاب والسنة، والعمدة عندهم في هذا الباب هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تمثيل ولا تكييف، ونفي ما نفاه الله – تعالى عن نفسه ونفاه عن رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، وكانت قواعدهم في ذلك على النحو الآتي بيانه مختصرًا([10]):


([1]) سبق تخريجه.

([2]) شأن الدعاء للخطابي (24)، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (1/27)، والمقصد الأسنى للغزالي (149)، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي (78).

([3]) شرح صحيح مسلم للنووي (17/5)، وانظر: فتح الباري لابن حجر (11/223)، ومجموع الفتاوى ابن تيمية (6/381)، وبدائع الفوائد لابن القيم (1/188).

([4]) انظر: المحلي لابن حزم (1/30)، الدرة لابن حزم (ص: 239-243)، فتح الباري لابن حجر (11/221).

([5]) رواه أحمد (1/398)، والحاكم (1877)، وهو في السلسلة الصحيحة (199).

([6]) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله (277).

([7]) انظر: شأن الدعاء للخطابي (26-29)، المجلى في شرح القواعد المثلى في شرح أسماء الله الحسنى لفاطمة الكواري (1/138).

([8]) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)، (6-156).

([9]) المجلي في شرح القواعد المثلى في شرح أسماء الله الحسنى لفاطمة الكواري (1/138).

([10]) انظر: كتاب التوحيد لابن منده (2/27)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (6/71)، وبدائع الفوائد لابن القيم (1/159-170)، شرح العقيدة الطحاوية لأبي العز الحنفي تحقيق عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط، (ص: 218)؛ القواعد المثلى لابن عثيمين (9-26)، القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف لـ د. إبراهيم البريكان، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. عثمان علي حسن، مكتبة الرشد. الرياض.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في السبت يناير 31, 2015 7:33 pm



1- القاعدة الأولى: أن أسماء الله تعالى كلها حسنى:



قال تعالى: ]وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[[الأعراف: 180].


إذ إنها متضمنة لصفات الكمال، فلا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ ذلك لأن الألفاظ إما أن تدل على معنى ناقص نقصًا مطلقًا، فهذه ينزه الله عنها، وإما أن تدل على غاية الكمال، فهذه هي الدالة على أسماء الله تعالى، وإما أن تدل على كمال، لكنه يحتمل النقص، فهذا لا يسمى الله تعالى به، لكن يخبر عنه به مثل «المتكلم».


2- القاعدة الثانية أسماء الله أعلام وأوصاف:



فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني؛ فهي بالاعتبار الأول مترادفة، لدلالتها على مسمى واحد وهو الله تعالى. وبالاعتبار الثاني متباينة؛ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص. فـ: (الحي العليم القدير السميع البصير...) كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله تعالى، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.



3- القاعدة الثالثة: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:



أحدها: ثبوت هذا الاسم.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها الاسم لله سبحانه وتعالى.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها. مثال ذلك (السميع) يتضمن إثبات السميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى.



4- القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بـ: المطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.



فدلالة المطابقة: تفسير الاسم بجميع مدلوله.
ودلالة التضمن: تفسير الاسم ببعض مدلوله.
ودلالة الالتزام: الاستدلال بالاسم على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها، أو على لازم خارج عنها. مثال ذلك (الخالق): يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام([1]).



5- القاعدة الخامسة: أسماء الله توقيفية:



فلا نسمي الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله.



6- القاعدة السادسة: أسماء الله غير محصورة بعدد معين: وقد مر بنا في أول هذا التمهيد.



[size=32]7- القاعدة السابعة: لا تشتق أسماء الله تعالى من أفعاله([2])؛ لأن أسماء الله توقيفية كما مر بنا في أول هذه القواعد.
[/size]


([1]) السابق (ص: 14).

([2]) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (538-540)، بدائع الفوائد لابن القيم (162-163)، شرح السنة للبغوي (1/179-180)، النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد الحمود (1/42).
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في السبت يناير 31, 2015 7:53 pm

اسما الله تعالى (الرازق – الرزاق)

المطلب الأول: المعنى اللغوي والشرعي



أولًا: المعنى اللغوي:


1- المعنى اللغوي للرزق:
قال ابن فارس: الراء والزاي والقاف أصل واحد يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت. فالرزق عطاء الله – جل ثناؤه -، ويقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرزق([1]).



قال ابن منظور: «رزق الخلق رزقًا ورزقًا، فالرزق بفتح الراء هو المصدر الحقيق، والرزق الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر... والجمع أرزاق... والرزق ما يُنتفع به»([2]).


ولكلمة الرزق عدة معان، منها:



ما ينتفع به مما يؤكل ويلبس. ومنها: ما يصل إلى الجوف ويتغذى به، ومنه قوله تعالى: ]فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ[[الكهف: 19].


ومنها: المطر؛ لأنه سبب الرزق: ومنه قوله تعالى: ]وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[[الجاثية: 5] ([3]).


ومنها العطاء، أو العطاء الجاري، ويقال: كم رزقك في الشهر؟([4])


2- المعنى اللغوي لـ الرزاق – الرازق:



قال ابن منظور: «الرازق والرزاق في صفة الله تعالى؛ لأنه يرزق الخلق أجمعين، وهو الذي خلق الأرزاق وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم»([5]).


والرزاق صيغة مبالغة على وزن فعال وهي تعني أمرين:



الأول: كثرة نعم الله تعالى على عباده: كما قال تعالى: ]وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا[[إبراهيم: 34].


الثاني: كثرة متعلقات هذه النعم: وتعدد المرزوقين الذين يصل إليهم هذا الرزق.



قال الحليمي: «والرزاق: وهو الرازق رزقًا بعد رزق، والمكثر الواسع لها»([6]).
والرزاق: لا يقال إلا لله تعالى([7]).
وقال الهراس: «ومن أسمائه سبحانه (الرزاق)، وهو مبالغة من (رازق)؛ للدلالة على الكثرة، مأخوذ من الرزق – بفتح الراء – الذي هو المصدر، وأما الرزق – بكسرها -؛ فهو لعباده الذين لا تنقطع عنهم أمداده وفواضله طرفة عين، والرزق كالخلق، اسم لنفس الشيء الذي يرزق الله به العبد؛ فمعنى الرزاق: الكثير الرزق، صفة من صفات الفعل، وهو شأن من شئون ربوبيته سبحانه وتعالى، لا يصح أن ينسب إلى غيره، فلا يسمى غيره رازقًا كما لا يسمى غيره خالقًا، قال الله تعالى: ]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[[الروم: 40]»([8]).

ثانيًا: المعنى الشرعي:



1- المعنى الشرعي للرزق:



تعددت أقوال علماء السلف في معنى الرزق شرعًا، مع اتفاق بين أهل السنة وتقارب بين هذه الأقوال، فمن ذلك:



قول الزجاج: الرزق: إباحة الانتفاع بالشيء على وجه يحسن ذلك، قال تعالى: ]وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا[[النحل: 75]([9]).


ويؤكد الخطابي على معنى الرزق عند أهل السنة؛ فيقول: وكل ما وصل منه إلينا من مباح وغير مباح فهو رزق الله، على معنى أنه قد جعله له قوتًا ومعاشًا.



والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان، كالأقوات. وباطنة للقلوب والنفوس، كالمعارف والعلوم([10])، كما قال الله تعالى: ]وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً[[لقمان: 20].


كما تشمل كلمة الرزق: العطاء الأخروي بجانب العطاء الدنيوي، قال تعالى: ]وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[[آل عمران: 169]. أي: يفيض الله عليهم([11]).



2- المعنى الشرعي لـ الرازق – الرزاق:



يلاحظ من خلال النظر في كتب السلف في بيانهم لمعنى اسم الله – تعالى – الرازق والرزاق وجود تقارب كبير بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، كما يتجلى ذلك من خلال التتبع لمعنى هذين الاسمين الجليلين في كتب السلف – رحمهم الله -.



قال الخطابي: «الرزاق: هو المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليًا دون عدو، يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له ولا مكتسب فيه، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي»([12]).



وقال الحليمي: «الرازق: المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قوامًا إلا به، والمنعم لهم باتصال حاجتهم من ذلك إليهم؛ لئلا تتنغص عليهم لذة الحياة بتأخره عنهم، ولا يفقدوها أصلًا بفقدهم إياه...



والرزاق: «هو الرازق رزقًا بعد رزق، والمكثر الواسع لها»([13]).


وقال الغزالي: «الرزاق: هو الذي خلق الأرزاق والمرتزقة، وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها»([14]).


وينقل ابن الأثير المعنى فيقول: «الرزاق: هو الذي خلق الأرزاق وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم»([15]).


ومن هنا يعلم مدى الارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي في اسم الله الرزاق، حيث دلت صيغة المبالغة على كثرة الرزق لعباده من ناحية، ومن ناحية أخرى على كثرة المرزوقين، وأنه وحده المتكفل بذلك لجميع خلقه، ولم يقتصر رزقه على ما تقوم به أود الخلق فحسب، بل تكفل برزق هو أعظم ما يؤتاه المرء، وليس ذلك لكل أحد بل هو محض اصطفاء واجتباء من المولى لمن اختصهم من عباده، ألا وهو غذاء القلوب والأرواح.



ويزيد العلامة الشيخ السعدي – رحمه الله – الأمر بيانًا بقوله: «الرزاق لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ورزقه لعباده نوعان:



1- رزق عام: شمل البر والفاجر، والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان.



2- ورزق خاص: وهو رزق القلوب، وتغذيتها بالعلم والإيمان.



والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته»([16]).


([1]) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (2/388).

([2]) لسان العرب لابن منظور، مادة «ر ز ق»، وانظر: التعريفات، للشريف الجرجاني (ص: 146-147).

([3]) انظر: الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، دار الكتب العلمية (ص: 254)؛ إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم للدامغاني، تقديم وتحقيق: عربي عبد الحميد علي، دار الكتب العلمية (ص: 234-235).

([4]) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1/342).

([5]) لسان العرب لابن منظور، مادة «ر ز ق».

([6]) كتاب المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (1/203)، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (1/172).

([7]) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (351، 352).

([8]) شرح القصيدة النونية لابن القيم، محمد خليل هراس (2/110)، وانظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم لأحمد بن إبراهيم ين عيسى، تحقيق زهير الشاويش (2/235).

([9]) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (38).

([10]) انظر: المقصد الأسنى للغزالي (84، 85).

([11]) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (351).

([12]) شأن الدعاء للخطابي (54).

([13]) كتاب المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (1/203).

([14]) المقصد الأسنى للغزالي (84).

([15]) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (2/219) وانظر: المقصد الأسنى للغزالي (50).

([16]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي (1/948).
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في السبت يناير 31, 2015 7:59 pm

المطلب الثاني: أدلة ثبوت هذين الاسمين الكريمين



وقد دل على ثبوت هذين الاسمين في حقه تعالى، كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.



1- دلالة الكتاب: ورد اسم الله تعالى الرزاق مرة واحدة في قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[[الذاريات: 58].


قال القرطبي: وقرأ ابن محيصن ومجاهد ]وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ[[الذاريات: 22]، بالألف وكذلك في آخرها: ]إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[[الذاريات: 58]([1]).


ووردت تصريفات كلمة الرزق في القرآن الكريم مسندة إلى الله تعالى في أكثر من موضع، من ذلك:



قوله تعالى: ]وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ[[البقرة: 212].
وقوله تعالى: ]قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ[[سبأ: 24].


وقوله تعالى: ]وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى[[طه: 132].


وورد اسم الرازق بصيغة التفضيل خمس مرات، من ذلك قوله تعالى: ]وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[[المائدة: 114].
وقوله تعالى: ]وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[[الحج: 58]([2]).
قال أبو حيان الأندلسي: «خير الرازقين: أفعل تفضيل، والتفاوت أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره تعالى، وبأنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما له من الرزق من جهة الله تعالى»([3]).
وقال في موضع آخر: «خير الرازقين: دل على أنه لا يساويه أحد في الإفضال على عباده، ودل على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضًا»([4]).
2- دلالة السنة: في حديث أنس بن مالك tقال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله: سعر لنا. فقال: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال»([5]).
وفي رواية أبي داود: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق...» الحديث([6]).
المطلب الثالث: دلالة أسماء الله تعالى الرَّازق – الرَّزَّاق

على إفراده بالعبادة




دلت آيات القرآن على تفرد الله تعالى بالرزق كما تفرد بالخلق والإحياء والإماتة فقال – جل شأنه -: ]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[[الروم: 40].


ولا شك أن المتفرد بالرزق ينبغي أن يفرد بالعبادة، ولا يقبل الله أن يأتي العبد بواحدة دون الأخرى، لأن اعتقاد أن الله هو المتفرد بالرزق هو معنى من معاني توحيد الربوبية، واعتقاد تفرد الله بالعبادة هو معنى توحيد الألوهية.



ولذا جاء تقرير دلالة تفرده تعالى بالرزق، على وجوب إفراده سبحانه بالعبادة والتوحيد، واللجأ إليه وحده في طلب الرزق منه تعالى – وذلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم، من ذلك:



قال – سبحانه -: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ[[فاطر: 3].
وقال – سبحانه -: ]أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ[[الملك: 21].
وقال: ]قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[[سبأ: 24].
قوله تعالى: ]قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ[[الأنعام: 14].
وقوله: ]فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ[[قريش: 3].


ففي هذه الآيات التي تدل على سعة فضل الله وكرمه، فهو سبحانه من أسمائه الحسنى: الرازق، والرزاق، والوهاب، والكريم والأكرم، والواسع، والغني، واللطيف، والبر والمفتاح والمنان والوكيل والجواد وغير ذلك من أسمائه – تبارك وتعالى -، وبيان آثارها في الخلق – ما يزيد المرء إخلاصًا لربه، ورجاءً وحبًا له، وتخلصًا من التعلق بغير الله تعالى في استجلاب الرزق، أو رجاء النفع، أو دفع الضر.



وقد نعى – سبحانه وتعالى – على المشركين شركهم، وبين أن الذين يعبدونهم من دون الله تعالى ما يملكون لهم رزقًا فقال – سبحانه:-
]وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ[[النحل: 73].


وقال إبراهيم – عليه السلام – مخاطبًا قومه: ]إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[[العنكبوت: 17].
وفي عدة مواضع من القرآن الكريم يذكر الله – تبارك وتعالى – نعمه ويعددها على عباده، ويذكرها بمنعمها – سبحانه وتعالى – ووجوب شكرهم له، وصرفهم العبادة له دون من سواه فقال – سبحانه -: ]أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ[[العنكبوت: 67]، وقال: ]أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ[[النحل: 71].
وقال: ]وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ[[النحل: 72].
وقال سبحانه وتعالى: ]يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ[[النحل: 83].
وقال: ]وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ[[النحل: 81].


قال ابن القيم – رحمه الله -: «وهذه قاعدة القرآن، يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية فيقرر كونه معبودًا وحده بكونه خالقًا رازقًا وحده»([7]).


وقال أيضًا: «فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته وظهورها وقبول العقول والفطر لها ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية»([8]).


وعن الحارث الأشعري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها،... أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي عمله إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟! وإن الله سبحانه وتعالى خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا... الحديث([9]).


قال القشيري: «من عرف أن الله تعالى هو الرزاق أفرده بالقصد إليه»([10]).

* * *

([1]) أحكام القرآن للقرطبي (17/41)، وانظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر للدمياطي (1/516).

([2]) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي (311-312).

([3]) البحر المحيط لأبي حيان التوحيدي (6/354).

([4]) السابق (6/383).

([5]) رواه الترمذي (1314)، والبيهقي في الكبرى (10927). وصححه الألباني.

([6]) رواه أبو داود (3451)، وابن ماجه (2200)، وأحمد (12613)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2945).

([7]) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم (1/258).

([8]) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (1/80).

([9]) رواه الترمذي (2863)، وأحمد (17800)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1724).

([10]) التحبير في التذكير للقشير (64).
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الأحد فبراير 01, 2015 9:38 pm

المطلب الرابع: أقسام الرزق

سبق بيان أن الرزق في معناه اللغوي والشرعي على وجه العموم أنه: اسم عام لكل ما ينتفع به العباد سواء لقوام أبدانهم في نموها وحفظها، أو لأرواحهم في هدايتها واستقامتها. وعليه فإن الرزق في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة يأتي على قسمين:



1- الرزق العام:



وهو رزق الأبدان والأشباح: ويشمل البر والفاجر والمؤمن والكافر، وهو عطية الله لخلقه، التي بها بقاؤهم ووجودهم، وهو مقتضى ربوبيته للخلق جميعًا.



وقد جاءت آيات القرآن العظيم مبينة تكفل الله تعالى بهذا الرزق كقوله: ]وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[[هود: 6]، عن مجاهد قال: «يعني ما جاءها من رزق فمن الله وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا، ولكن ما كان لها من رزق لها فمن الله»([1]).


وقوله تعالى: ]وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[[العنكبوت: 60].


قال البيضاوي في تفسيره للآية: «لا تطيق حمله لضعفها أو لا تدخره وإنما تصبح ولا معيشة عندها ]اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ[ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله؛ لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده»([2]).


ومن أمثلة الرزق العام الذي تفضل الله به على خلقه وعلى الإنسان على وجه الخصوص:



1- تفضله – سبحانه – بخلق المخلوقات علويها وسفليها لصالح الإنسان، قال تعالى: ]هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[[البقرة: 29].


وقال – سبحانه -: ]اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[[غافر: 64].


2- وتفضله – سبحانه – بإنزال المطر وبإنشاء الجنات وبخلق الأنعام، قال – سبحانه -: ]وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ *فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ[[المؤمنون: 18-19].
وقال: ]وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ[[الأنعام: 142].


3- ما أنعم الله على عباده من الذرية والأزواج والرزق من الطيبات، قال تعالى: ]وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ[[النحل: 72].


4- ومما سخره الله للإنسان وغيره من المخلوقات البحر وما فيه من أرزاق وخيرات؛ قال سبحانه وتعالى: ]وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[[فاطر: 12].


5- ومن فضل الله ورزقه: الأمن، والعافية، وقوت اليوم؛ أخرج الترمذي في جامعه من حديث عبيد الله بن محصن الخطمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا»([3]).


فكفى من سلامة الأعضاء نعمة على العبد بحيث لو وضعت نعمة واحدة منها في كفة وثراء الدنيا في كفة، لاختار العاقل نعمة العافية، جاء عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: «إن رجلًا بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه، فجعل يحمد الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية، وبُسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما لو أُعطيت به ما أُعطي الخلق لم أعطهم إياه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك»([4]).


([1]) تفسير الطبري (15/240)، وانظر: تفسير البغوي (4/162)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (9/6)، وفتح القدير للشوكاني (2/698).

([2]) تفسير البيضاوي (1/322)، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/292)، وفتح القدير للشوكاني (4/300).

([3]) رواه الترمذي (2346)، وابن ماجه (4141) وذكره الألباني في صحيح الجامع (5918)، ثم حسنه.

([4]) عدة الصابرين، لابن القيم (ص: 167).
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الإثنين فبراير 02, 2015 9:53 pm

ملامح الرزق العام:



1- إن أول خصيصة للرزق العام: أنه لا يختص به أحد عن أحد فهو للمؤمن وللكافر، وللبر والفاجر، وللإنسان ولغيره من المخلوقات، بحسب ما قدره الله وقضاه.



فقد فقدره الله للعبد قبل أن يخرج إلى الدنيا، فعن ابن مسعود رضي الله عنهقال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد»([1]).




وما من إنسان يخرج من الدنيا إلا وقد استكمل كل ما له فيها من رزق، فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل – عليه السلام – ألقى في روعي أن أحدًا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس، وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصيته»([2]).


ولو منع الله الرزق عن أحد من خلقه، لمنعه عمن يدعون له الولد، فعن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم»([3]).


2- أن هذا الرزق لا يختص بمكان دون مكان، ولا ببقعة دون بقعة كما قال تعالى: ]وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[[العنكبوت: 60].


قال ابن كثير – رحمه الله -: «الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب»([4]).


3- أن هذا الرزق الدنيوي العام الذي به قوام الحياة وضرورة الوجود، لا يترتب عليه إكرام من الله ولا إهانة، فعطاؤه في كل الأحوال ومنعه وبسطه وقدره فتنة واختبار وامتحان؛ ولذلك يقول – سبحانه وتعالى -: ]وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ[[الفجر: 16]. وعلى هذا فالله يعطي بسبب وبدون سبب، ويبسط الرزق ويقدر، وكل ذلك بقضائه وقدره، وفق حكمته وعلمه ورحمته ولطفه.



4- أن هذا الرزق أن ينقص بكثرة المخلوقين، ولا يمنع أحد رزق أحد بل لكل مخلوق رزقه كما له أجله؛ ولذا نهى الله تعالى عن وأد الأولاد؛ خشية الفقر فقال – سبحانه - ]وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا[[الإسراء: 31].


قال الجصاص: «فيه إخبار بأن رزق الجميع على الله تعالى، والله سيسبب لهم ما ينفقون على الأولاد وعلى أنفسهم، وفيه بيان أن الله تعالى سيرزق كل حيوان خلقه مادامت حياته باقية، وأنه إنما يقطع رزقه بالموت وبين الله تعالى ذلك لئلا يتعدى بعضهم على بعض، ولا يتناول مال غيره إذ كان الله قد سبب له من الرزق ما يغنيه عن مال غيره»([5]).


وفي الحديث القدسي: «يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر»([6]).



الرزق الخاص:



وهو رزق الأرواح والقلوب:



وهذا أنفع نوعي الرزق، وأشرفه وأبقاه، فهو الموصل للسعادة الأبدية، والمؤدي إلى أعلى الغايات، وهو ميراث الأنبياء والمرسلين. وهو يشمل أنواعًا من المنح والعطايا والهبات الربانية، والفتوحات الإلهية منها الهداية والتوفيق والتأييد والتسديد، والفهم والعلم، والحكمة، واليقين، وسائر الأحوال الإيمانية، والمعارف الإلهية([7]).



ولذا فإن هذا الرزق هو خاص بالمؤمنين دون من سواهم، وهو على حسب مراتبهم من الإيمان والقرب والفضل الإلهي عليهم.



يقول الغزالي: «والرزق رزقان: ظاهر وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان، وباطن وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد، والله سبحانه وتعالى هو المتولي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر»([8]).


ويعد القرطبي العلم رزقًا فيقول: «وقد يراد بالرزق كل مقسوم ومحتوم، حتى يستعمل في العلم والجهل، وسائر الحظوظ المقسومة للنفوس والأبدان، ولذا قال جماعة من القدماء في تأويل قوله تعالى: ]وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[[البقرة: 3].أي: ومما علمناهم يعلمون»([9]).


وقد أشار ابن القيم إلى عظمة هذا الرزق الديني الذي عليه حياة المؤمنين فقال: «فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية، والتنزلات الإلهية، وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق»([10]).


وهذا الرزق لا تبعة على العبد فيه، فالله – سبحانه – يغني عبده بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وهو يعينه به على إيمانه وعمله، فإذا «رزق الله العبد العلم النافع، والإيمان الصحيح، والرزق الحلال، والقناعة بما أعطاه، فقد تمت له أموره، واستقامت أحواله الدينية والبدنية»([11]).


وفي ملحظ دقيق ينبه – سبحانه وتعالى – على الفرق بين الرزقين واختصاصه أهل الإيمان بهذا الرزق الديني دون غيرهم، وذلك في دعاء إبراهيم – عليه السلام – حيث يقول تعالى: ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[[البقرة: 126].


قال البيضاوي – رحمه الله -: «والمعنى وارزق من كفر، قاس إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – الرزق على الإمامة، فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دينوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم في الدين»([12]).


([1]) رواه البخاري (3036)، ومسلم (2643).

([2]) رواه الحاكم في المستدرك (2136)، والطبراني في الكبير (7694)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2085).

([3]) رواه البخاري (6099)، ومسلم (2804)، وانظر: كتاب التوحيد، لابن منده (2/127).

([4]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/292).

([5]) أحكام القرآن للجصاص (5/23).

([6]) رواه مسلم (2577).

([7]) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للقشيري (ص: 113-114).

([8]) المقصد الأسنى للغزالي (85).

([9]) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (1/278).

([10]) بدائع الفوائد لابن القيم (1/118).

([11]) انظر: توضيح الكافية الشافية للسعدي – المجموعة الكاملة (3/387).

([12]) تفسير البيضاوي (1/399).
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: دراسة لاسمي الله الرَّازق الرَّزَّاق وما في معناهما من أسماء الله تعالى

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الإثنين فبراير 02, 2015 10:00 pm

ومن أمثلة هذا الرزق الخاص بالمؤمنين:



1- فمن أعظم نعم الله على عبده أن هداه إليه وعرفه به، وقربه منه، وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه, ورضي له الإسلام دينا بعد أن أكمله له، وبعد هذا وذاك هداه إلى السنة وحفظه من البدعة.



قال مجاهد: ما أدري أي النعمتين علي أعظم أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء([1]).



والحمد هو أفضل نعم الله على عباده، وهو أجل من نعم الله التي أنعم بها على العبد من رزقه وعافيته وصحته والتوسعة عليه في دنياه ونحو ذلك، ويشهد لهذا ما رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال: الحمد لله؛ إلا كان ما أعطى أفضل مما أخذ»([2]).



2- ومن فضل الله إيتاؤه الحكمة لأوليائه؛ قال تعالى: ]يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ[[البقرة: 269].


3- ومن فضل الله العلم؛ لما رواه عبد الله بن مسعود tعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها»([3]).


وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنهوقد سئل: «هل عندكم شيء من العلم ليس عند الناس؟ قال: لا والله ما عندنا إلا ما عند الناس، إلا أن يرزق الله رجلًا فهمًا في القرآن، أو ما في هذه الصحيفة...»([4]).


4- ومن فضل الله ورزقه الواسع: الصبر؛ ففي حديث أبي سعيد الخدري: أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال: «ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر»([5]).


5- ومن فضل الله ورزقه: اليقين والمعافاة؛ أخرج الإمام أحمد من حديث أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس: إن الناس لم يُعطوا في الدنيا خيرًا من اليقين والمعافاة، فسلوهما الله سبحانه وتعالى»([6]).


6- ومن أرزاق الله وفضله: الجليس الصالح؛ أخرج البخاري في صحيحه من حديث إبراهيم النخعي: قال ذهب علقمة إلى الشأم فأتى المسجد فصلى ركعتين فقال: اللهم ارزقني جليساً. فقعد إلى أبي الدرداء([7]).


7- ومن فضل الله ونعمته: ما من به على الشهيد؛ قال تعالى: ]وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[[آل عمران: 169].


وأخرج الإمام أحمد في المسند من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق – نهر بباب الجنة في قبة خضراء – يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةًَ وعشيًا»([8]).


8- ومن أعظم ما يرزقه الله لعباده المؤمنين: دخولهم الجنة يوم القيامة، وما يفيض الله عليهم من أنواع الكرم والإحسان والنعم، وأعظم من ذلك النظر إلى وجهه – سبحانه وتعالى -، وهذا الرزق على حسب ما أوتي المؤمنون من الرزق الخاص في الدنيا.



قال تعالى: ]إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا[[مريم: 60-63].


وقال سبحانه وتعالى: ]جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ {52} هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ[[ص: 50-54].


وقال تعالى: ]وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[[البقرة: 25].


وأنواع رزق الله تعالى على عباده كثيرة وعظيمة، وفيما مضى إشارة إلى بعضها، وإلا فإنها لا تعد ولا تحصى.




* * *

المطلب الخامس: بسط الرزق العام وقدره

وعلاقة ذلك بالإكرام أو الإهانة




اقتضت حكمة الله تعالى أن يفاوت بين الناس في الرزق، فمنهم من بسط له فيه، ومنهم من قدر عليه رزقه، وكل ذلك وفق حكمة إلهية، وعلم رباني.



]فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ[[الفجر: 15-17].


قال – سبحانه وتعالى -: ]قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[[سبأ: 36].


وقال – جل وعز -: ]وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ[[النحل: 71].


وقال: ]كُلًا نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا[[الإسراء: 20].


والنصوص في هذا الأمر كثيرة ومعلومة، ولكن يتضح من مجملها أن تفاوت الناس في معاشهم وأزراقهم أمر كوني قدري، وراءه حكمة رب العالمين: ]أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[[الملك: 14].


هل البسط في الرزق الدنيوي العام يعني الإكرام؟



ليس هناك علاقة بين بسط الرزق الدنيوي وقدره وبين الإكرام أو الإهانة، أو المحبة والبغض، ذلك بأن الإكرام والحب والستر وسوى ذلك من علامات الرضا ليست في الرزق الدنيوي الكثير، ولكنها بيد الله تعالى يمن بها على من يشاء من عباده، ولو كان لا يملك من حطام الدنيا شيئًا.



فكم ممن وُسع له في رزقه، وبسط له فيه وهو مفضوح مهان، وكم من مقتر عليه في الرزق وهو مستور مكرم، قال – سبحانه وتعالى -: ]فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ[[الفجر: 15].


قال ابن كثير – رحمه الله -: «يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: ]أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ[[المؤمنون: 55-56].


وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: ]كَلَّا[أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر»([9]).


حكمة الله تعالى في بسط الرزق وقبضه:



1- إن من أعظم الحكم في ذلك: هي ابتلاء الله الخلق في أدائهم لعبادتي الشكر والصبر، كما قال تعالى: ]كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[[الأنبياء: 35]، وقال تعالى: ]وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ[[الأنعام: 165].


2- ومما أعلمنا الله تعالى به عن حكمته في توسيعه الرزق على بعض وتقتيره على آخرين: أن يتخذ الناس بعضهم بعضًا سخريًا، بأن يستعمل بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش، هذا بماله، وهذا بعمله؛ فيتم قوام العالم. قال – عز من قائل -: ]أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[[الزخرف: 32].


3- ومن الحكم البالغة في تقدير الرزق: أن يظل المرء موصولًا بخالقه ورازقه – جل وعلا – راجيًا رحمته، وطامعًا فيما عنده، ومتعلقًا بخيره وفضله، غير معتمد على حوله وقوته، فتتجلى آثار أسماء الله تعالى: الكريم، الوهاب، الفتاح، المنان، اللطيف.



4- ومن الحكم الجليلة في هذا الشأن ما جاء في قوله تعالى: ]وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ[[الشورى: 27].


«قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير فتمنيناها فنزلت هذه الآية ومعنى الآية لو أوسع الله الرزق لعباده لبطروا وعصوا وبغى بعضهم على بعض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، أي ينزل أمره بتقدير ما يشاء مما يصلح أمورهم ولا يطغيهم «إنه بعباده خبير بصير» فمنهم من لا يصلحه إلا الغني ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر»([10]).


وبعد، فإن قدرة الله تعالى وسعه خزائنه لا تحول دون بسط رزقه للناس وفي الحديث: «إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع ويخفض»([11]).


قال ابن القيم – رحمه الله -: «كذلك يقسم الأرزاق، ويجزل العطايا، ويمن بفضله على من يشاء من عباده بيمينه، وباليد الأخرى الميزان، يخفض به من يشاء ويرفع به من يشاء؛ عدلًا منه وحكمة.. ليس له بواب فيستأذن، ولا حاجب فيدخل عليه، ولا وزير فيؤتى، ولا ظهير فيستعان به، ولا ولي من دونه فيشفع به إليه، ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده، ولا معين له فيعاونه على قضائها، أحاط سبحانه بها علمًا، ووسعها قدرة ورحمة، فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودًا وكرمًا، ولا يشغله منها شأن عن شأن، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، لو اجتمع أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم وقاموا في صعيد واحد ثم سألوه فأعطى كلا منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عنده ذرية واحدة، إلا كما ينقص المخيط البحر – إذا غمس فيه – ولو أو أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئًا؛ ذلك بأنه الغني الجواد الماجد، فعطاؤه كلام وعذابه من كلام، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون»([12]).


ويتضح من النصوص السابقة: أن الرزق وسعته وضيقه من الله فهو – سبحانه وتعالى – يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء، وفق قضائه وقدره المبني على علمه وحكمته على الأوجه التالية:



1- إما فضلًا منه ورحمة ابتداءً.
2- أو امتحانًا واختبارًا.
3- أو استدراجًا وإمهالًا وعذابًا.
ويضيق الله الرزق على من يشاء وفق قضائه وقدره المبني على علمه وحكمته على الأوجه التالية:
1- إما حماية لعبده منه ورحمة به.
2- أو امتحانًا له واختبارًا.
3- أو حرمانًا وعذابًا([13]).



ومن ثم فإذا كان عطاء الله ومنعه وفق حكمة بالغة، فلا ينبغي لمن أيقن بذلك أن يتسخط على مقدور الله له، ولا يتطلع إلي ما في أيدي الناس، ولا يحدس الخلق على ما أتاهم الله من فضله، ولا يفرح كل الفرح بما آتاه، وما يدري لعله استدراج أو امتحان من الله له، ولا يطلب ما عنده إلا بطاعته.


([1]) أخرجه الدارمي في السنن رقم (321). وأبو نعيم في الحلية (3/293).

([2]) سنن ابن ماجه رقم (3805)، وحسنه الألباني كما في السلسلة الضعيفة (5/24).

([3]) رواه البخاري (6722)، ومسلم (816).

([4]) رواه البخاري (111)، وابن ماجه (2658).

([5]) رواه البخاري (6105)، ومسلم (1053).

([6]) رواه الترمذي (3558)، وأحمد (3849).

([7]) انظر: فتح الباري لابن حجر (11/68)، حديث رقم (6278).

([8]) رواه أحمد (2390)، وابن حبان (4658) قال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: (3742) في صحيح الجامع.

([9]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/398)، وانظر: تفسير الطبري (24/412)، تفسير البغوي (8/421)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (20/51)، تفسير الكريم المنان للسعدي (1/923).

([10]) زاد المسير لابن الجوزي (7/287)، وانظر: تفسير الطبري (25/30)، تفسري القرآن العظيم لابن كثير (7/206)، فتح القدير للشوكاني (4/762).

([11]) رواه البخاري (6983)، والترمذي (3045).

([12]) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (1/321).

([13]) انظر: الرزق، د. مسفر الغامدي.

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 20, 2017 5:05 pm