منتدى سيف الله للإبداع

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد, يشرفنا أن تقوم بالدخول وذلك بالضغط على زر الدخول إن كنت عضوا بالمنتدى.أو التسجيل إن كنت ترغب بالإطلاع على مواضيع المنتدى والمشاركة في أقسام المنتدى فقط إضغط على زر التسجيل و شكرا لك
منتدى سيف الله للإبداع

منتدى سيف الله للإبداع


اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

شاطر
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 8:42 pm

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


أما بعد:


فمن المعلوم أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالقلب والجوارح؛ فالمسلم ينطق بلسانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويظهر بأقواله إيمانه بما جاء عن الله تعالى.


ولابد للمسلم أن يعقد قلبه مؤمنًا جازمًا بكل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى رأس ذلك أصول الإيمان وأركان الشريعة وما تفرع عنها.


ولا يتم إسلامه إلا بالعمل بما قاله واعتقده وآمن به، يعمل بقلبه وجوارحه، فأعمل الجوارح كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك من العبادات.


وأعمال القلب كالإخلاص والحب والخشية والخوف والرجاء والتوكل والتوبة والإنابة ونحوها كثير.


وإن أعمال القلب هي الباعثة على أعمال الجوارح والمحركة لها، فإذا ضعفت أعمال القلوب ضعفت أعمال الجوارح، ومن هنا وجبت العناية بها والحرص على تقويتها ومداومة محاسبة النفس عليها.


ومن رأى خللًا في عباداته الظاهرة، أو تقصيرًا في مظهره أو سمته فليفتش عن أعماله القلبية؛ فسيجد الخلل سبق إليها؛ فليجدد ما ضعف منها.


وإن من أعظم تلك الأعمال القلبية وأعلاها: اليقين وهو موضوع هذا الكتاب المختصر، حيث عرفت باليقين، مبينًا أصل الكلمة ومعناها الشرعي، والمنزلة الشرعية لليقين، ثم ذكرت حكمه، وثمراته وآثاره، ومراتبه، وأنواعه، وعلامات أهل اليقين، ووسائل تقويته.


أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم موافقًا لشرعه الحكيم.


تعريف اليقين

لغة:


اليقين مشتق من الفعل يَقِنَ وأيقن يوقن إيقانًا، وييقن يقنًا ويقينًا، فهو موقن.


واليقين نقيض الشك، فهو العلم وتحقيق الأمر وإزاحة الشك، فكما أن العلم نقيض الجهل، فكذلك اليقين نقيض الشك، يقال: علمته يقينًا، أي علمًا لا شك فيه([1]).


وليس هو من الفعل وقن وأوقن؛ فإن معنى وقن وأوقن: اصطاد الطير من وقنته، أي وكنته (محضنه)، فالوقنة موضع الطائر في الجبل، ويقال توقن وأوقن في الجبل: صعد فيه([2]).


نخلص مما سبق أن اليقين مشت من الفعل يقن وأيقن بمعنى علم علماً لا شك فيه تطمئن إليه النفس اطمئنانًا يزيل الشك ويدفع للعمل بالموقن به.


والعرب تسمي اليقين ظنًا والشك ظنًا، ومنه قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} ([3])أي فأيقنوا أنهم مواقعوها([4]).


بل قال بعض المفسرين: "كل ظن في القرآن فهو علم ويقين، كما ذكر ذلك الطبري بسنده عن مجاهد، وذكر ابن كثير صحة سنده عنه([5]).


اصطلاحًا:


هو اليقين الجازم بعلم وطمأنينة واستقرار نفس، بكل ما جاء في الكتاب والسنة عن الله تعالى، يقينًا يدفع المرء إلى العبودية لله تعالى مع حرص شديد على إخلاص النية له سبحانه، واتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.


أو تقول هو أن تتيقن بكل ما ورد من الحق، فيكون عندك كالشاهد.


فاليقين هو إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، وهو العلم الجازم الذي لا شك فيه المؤدي إلى استقرار القلب وطمأنينته، الدافع إلى العمل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "اليقين هو طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه، وضد اليقين الريب وهو نوع من الحركة والاضطراب" ([6])، ويقول السعدي: "اليقين هو العلم التام الذي ليس في أدنى شك، الموجب للعمل"([7]).


ومما ينبغي أن يعلم أن اليقين أعلى درجات الإدراك، قال ابن تيمية: "ينبغي أن يعلم أن كل واحد من صفات الحي، التي هي العلم والقدرة والإدراك ونحوها، له من المراتب ما بين أوله وآخره ما لا يستنبطه العباد، كالشك ثم الظن ثم العلم ثم اليقين ومراتبه، وكذلك الهم والإرادة والعزم..."([8]).


والعبد يعرف من نفسه بلوغه درجة اليقين بالشيء كما يعرف أنه رأى الشيء أو سمعه، يقول ابن تيمية: "العلم واليقين يجده الإنسان من نفسه كما يجد سائر إدراكاته وحركاته مثلما يجد سمعه وبصره وشمه وذوقه، فهو إذا رأى الشيء يقينًا يعلم أنه رآه، وإذا علمه يقينًا يعلم أنه علمه، وأما إذا لم يكن مستيقنًا؛ فإنه لا يجد ما يجده العالم، كما إذا لم يستيقن رؤيته لم يجد ما يجده الرائي، وإنما يكون عنده ظن ونوع إرادة توجب اعتقاده"([9]).

[size=32]
[/size]


([1]) انظر: لسان العرب 3/1015، ومعجم مقاييس اللغة 6/157، والصحاح 6/2219.

([2]) انظر: لسان العرب 3/971.

([3]) سورة الكهف: 53.

([4]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص480.

([5]) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن 1/206/ 207، وتفسير القرآن العظيم 1/88.

([6]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 3/329.

([7]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص41.

([8]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 10/721.

([9]) جامع الرسائل 1/240.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 8:45 pm

منزلة اليقين



اليقين شعبة من شعب الإيمان بل هو من أعلى درجات أعمال القلوب؛ إذ هو العلم الجازم بإيمان وطمأنينة نفس بما جاء عن الله تعالى يقينًا يدفع صاحبه إلى اتباع الشرع الحنيف.


يقول ابن القيم: "وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون... وخصَّ سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} ([1])، وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العاملين فقال: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} ([2]).


فاليقين روح أعمال القلوب التي هي روح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصدِّيقية"([3]).


ولهذا ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «اليقين هو الإيمان كله» ([4])، ومراده رضي الله عنه بيان عظم هذه الشعبة وأنها من أعلى درجات الإيمان، وليس مقصوده أن الإيمان هو هذه الشعبة أو الدرجة؛ إذ أن اليقين جزء عظيم من حقيقة الإيمان وليس هي فقط الإيمان، بل الإيمان اعتقاد وقول وعمل، يقول ابن القيم: "فالإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه"([5]).


ولعظم منزلة اليقين أثنى الله على المتصفين به، في مثل قوله تعال: {وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} ([6])، وقوله: {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} ([7]).


وغيرها من الآيات، كذا رسول الله صلى الله عليه وسلم امتدح أهل اليقين وحث عليه وأمر بطلبه؛ إذ هو من أسباب الصلاح ودخول الجنة.


فقد قال عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة»([8]).


وقال صلى الله عليه وسلم: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل»([9]).


وقال أيضاً: «... وسلوا الله اليقين والمعافاة؛ فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرًا من المعافاة» ([10]).


وفي المقابل وصف الله تعالى الكفار والمنافقين بنقيض اليقي؛ إذ وصفهم بالشك والريب والتردد، قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} ([11])، وقال سبحانه: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} ([12])، وقال في المنافقين: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} ([13]).


ومما يدل على المنزلة العظيمة لليقين أن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يزيد إبراهيم عليه السلام إيمانًا مع قوة إيمانه فهو أبو الأنبياء عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام رفعه ورقاه إلى درجة اليقين، فأراده ملكوت السماوات والأرض ليصل إلى تلك المنزلة الرفيعة، إذ أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ} ([14]).


([1]) سورة الذاريات: 20.

([2]) سورة البقرة: 4- 5

([3]) مدارج السالكين 2/413، 414.

([4]) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في كتاب الإيمان 1/19.

([5]) الفوائد ص162.

([6]) سورة البقرة: 4.

([7]) سورة النمل: 3، لقمان: 4.

([8]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، ح52.

([9]) أخرجه أحمد في الزهد ص25 رقم 51، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/715 ح3845، وفي مشكاة المصابيح 3/1452 ح5281، وقال أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.

([10]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب من سأل الله العافية ح724، وابن ماجه في سننه كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية ح3849، وصححه الألباني في الأدب المفرد 1/381ح724، وصحيح سنن ابن ماجه 2/328 ح3104.

([11]) سورة فصلت: 45.

([12]) سورة الشورى: 14.

([13]) سورة التوبة: 45.

([14]) سورة الأنعام: 75.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 9:19 pm

حكم اليقين

اليقين له مرادان، ولكل مراد حكم يترتب عليه:


المراد الأول: قد يراد به اليقين بأصل الإيمان، فهو بهذا المعنى شرط من شروط لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولا إيمان مع الشك أو التردد وعدم اليقين فالإيمان لا يقبل إلا باليقين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما اليقين الذي هو صفة العبد، فذلك قد فعله من حين عبد ربه، ولا تصح العبادة إلا به، وإن كان له درجات متفاوتة"([1]).


ومن كان عنده شك في الله ورسوله ودين الله فهو كافر قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} ([2]).


وأخبر الله تعالى عن الكفار والمنافقين أنهم في شك وريب وتردد، فقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم قالوا لرسلهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} ([3])، وقال سبحانه عن المنافقين: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} ([4]).


واليقين بهذا المعنى هو مراد العلماء بذكر "العلم" شرطًا من شروط الشهادتين، فاليقين هو العلم المستقر في القلب مع اعتقاد العمل بالشهادتين، يقول ابن تيمية: "اليقين يراد به العلم المستقر في القلب، ويراد به العمل بهذا العلم، فلا يطلق الموقن إلا على من استقر في قلبه العلم والعمل"([5])، وقال في موضع آخر بأن اليقين يتناول علم القلب وتصديقه وعمله وطمأنينته([6]).


المراد الثاني:بمعنى زيادة العلم وطمأنينة القلب، فهو درجة أخص من العلم فهو بهذا المعنى شعبة ودرجة من أعلى درجات الإيمان، والموقنون بهذا المعنى طائفة خاصة من المؤمنين أعلى درجة ومنزلة واطمئنانًا واستقرارًا من سائر المؤمنين، وهو بهذا المعنى قريب من معنى الإحسان، وقد قال بعض أهل العلم بأن الإحسان يكون في عمل الجوارح، واليقين في عمل القلب([7]).


فيكون بهذا المعنى منزلة عظيمة يحبها الله تعالى وليست شرطًا في أصل الإيمان.


يقول شيخ الإسلام: "فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شُكِّكوا لشكوا، ولو أُمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارًا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحن وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق..."([8]).


([1]) الاستقامة 1/418.

([2]) سورة الحجرات: 15.

([3]) سورة إبراهيم: 9.

([4]) سورة التوبة: 45.

([5]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 16/337، وبيان تلبيس الجهمية 1/525.

([6]) انظر: مجموع فتاوى شيح الإسلام ابن تيمية 15/184، والإيمان ص 216، 217.

([7]) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 14/108، والإيمان ص268، وأعمال القلوب حقيقتها وأحكامها 1/260.

([8]) الإيمان ص 257، 258.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 9:24 pm

ثمرات اليقين وآثاره



لليقين آثار كثيرة وثمرات عظيمة في حياة العبد ومعاده، ومن تلك الثمرات ما يلي:


1- اليقين من أعظم أسباب حياة القلب وطمأنينته وقوته ونشاطه وسائر لوازم الحياة، فاليقين يزيل الريب والشك والسخط، ويملأ القلب نورًاً وإشراقًا ورجاءً وخوفًا من الله ومحبة له، ورضى بما قدر، وهو من أسباب زيادة أعمال القلوب كالتوكل والإنابة والخوف والخشية وإحسان الظن بالله تعالى، ولابد لليقين من علم صحيح يوصل بالخوف والرجاء فهما يدفعان إلى العمل بتحري الإتباع والإخلاص([1]).


وتأمل حال خليل الرحمن إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام عندما سأل ربه قائلًا كما أخبر الله تعالى عنه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ([2])، فإبراهيم عليه السلام بسؤاله هذا "أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة"([3])، فقال الله تعالى له:


{أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} فأجاب إبراهيم عليه السلام بقوله: {بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فرضي الله من إبراهيم قوله: {بَلَى}وعلم سبحانه من حال هذا الرسول الكريم أنه يريد زيادة الاطمئنان واليقين، وإزالة ما قد يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان([4]).


فازداد إبراهيم عليه السلام باليقين إيمانًا وقوة حجة وبرهان.


2- اليقين من أعظم أسباب قوة الإيمان وزيادته، وبه تنال الإمامة في الدين، يقول ابن القيم سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ([5])} ([6]).


كما أن من ثمراته العظيمة قوة التوكل على الله – كما أشرت في الثمرة الأولى -، هذا العمل القلبي العظيم، فكلما ازداد اليقين في نفس العبد قوي توكله، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} ([7]) والحق هنا هو اليقين كما ذكر ابن القيم رحمه الله([8]).


3- اليقين سبب لتوفيق الله لعبده للجواب الصحيح حين سؤال الملكين في القبر – نسأل الله الثبات على الحق – كما أن اليقين سبب لدخول الجنة: فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «...ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، فأوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل؟
فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثًا، فيقال نم صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»([9]).


ويشهد لذلك الحديث السابق ذكره وهو قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة» ([10])، وكذلك جاء في سيد الاستغفار قوله صلى الله عليه وسلم: «من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة»([11]).


4- اليقين من أعظم الأسباب المعينة على العبادات والقيام بالمشروعات والإقدام على الأمر بالمعروف وإنكار المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى؛ وذلك إن اليقين يمنع ورود الشهوات والشبهات على القلوب، ويدفع عن النفس ما قد تجده من ثقل أو صعوبة في بعض العبادات، يقول ابن القيم: "والقلب متى استيقن ما أمامه من كرامة الله وما أعد لأوليائه... زالت عنه الوحشة التي يجدها المتخلفون، ولان له ما استوعره المترفون"([12]).


ويقول الحسن البصري: "ما طلبت الجنة إلا باليقين، ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين"([13]).


ويقول سفيان الثوري: "لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقًا إلى الجنة وخوفًا من النار"([14]).


5- اليقين من أسباب انشراح الصدر وسلامة النفس من الخوف والقلق والتردد، فاليقين يعين على الصبر والاحتساب والرضا بالقضاء والقدر، ويدفع عن القلب الوساوس والخواطر السيئة.


قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} ([15])، فاليقين – كما يقول ابن القيم – من أفضل مواهب الرب لعبده؛ إذ لا تثبت قدم الرضا إلا على درجة اليقين، يقول ابن مسعود في تفسير الآية السابقة: "هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيرضى ويسلم" يقول ابن القيم: "فهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم إلا بيقينه"([16]).


ويقول ابن رجب: "فمن حقق اليقين وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفًا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة"([17]).


وتأمل قصة مسارعة أبي بكر الصديق إلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج، فإن فيها من العبر اليقينية الشيء العظيم؛ فإنه «لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه؛ وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم؛ إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة؛ فلذلك سُمي أبو بكر: الصدِّيق» ([18]).


هذه بعض الثمرات والآثار الحسنة على من تحلى بقوة اليقين، واعتنى بترقيته ومداومة مراجعته في نفسه.


إنها ثمرات عظيمة فلا تفوتك أخي المسلم، فالوصول إليها سهل ميسور لمن علم الله منه صدق الإخلاص والمتابعة وتحري الحق.


([1]) انظر: مفتاح دار السعادة 1/241.

([2]) سورة البقرة: 260.

([3]) تفسير القرآن العظيم 1/298.

([4]) انظر: المصدر السابق 1/298، 299.

([5]) سورة السجدة: 24.

([6]) مدارج السالكين 2/153.

([7]) سورة النمل: 79.

([8]) مدارج السالكين 2/413.

([9]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، ح86، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ح905، والشك في قوله (أو) من الراوي.

([10]) سبق تخريجه.

([11]) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة، ح6306.

([12]) مفتاح دار السعادة 1/233.

([13]) فتح الباري لابن رجب 1/14، 15.

([14]) فتح الباري لابن رجب 1/15، وسير أعلام النبلاء 7/260.

([15]) سورة التغابن: 11.

([16]) انظر: مفتاح دار السعادة 1/242.

([17]) جامع العلوم والحكم 2/18.

([18]) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/62، وقال: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/615 ح306.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 9:27 pm

مراتب اليقين

لليقين ثلاث مراتب هي:


المرتبة الأولى: علم اليقين، وهي انكشاف المعلوم للقلب، بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر.


المرتبة الثانية:عين اليقين، أي مشاهدة المعلوم بالأبصار.


المرتبة الثالثة: حق اليقين، وهي أعلى درجات اليقين، وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الإدراك التام.


فالأولى: كعلمك بأن في هذا الوادي ماء، والثانية: كرؤيته، والثالثة: كالشرب منه([1]).


ومثال آخر: إيماننا الجازم بالجنة والنار هذا علم اليقين؛ فإذا أزلفت الجنة يوم القيامة للمتقين، وشاهدها الخلائق، وبرزت الجحيم للغاوين، ورأها الخلائق، فذلك عين اليقين، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فذلك حينئذ حق اليقين([2]).


قال تعالى في سورة التكاثر: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} ([3]) أي ترونها معاينة بالأبصار موقنين حقيقتها، ثم قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ} ([4]) أي لتسألن يوم القيامة عن نعيم الدنيا من صحة الأبدان والأسماع والأبصار والمكاسب وملاذ المآكل والمشارب، وغير ذلك هل أديتم شكرها على الوجه المشروع؟ أم كفرتم بها؟ ([5]).


ومما ينبغي أن يعلم أن اليقين يقوى ويضعف ويزداد وينقص، فهو درجات متفاوتة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "للمؤمنين العارفين بالله المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة، ولا يعرفه حق المعرفة إلا من أدركه وناله"([6])، وقال عن اليقين في موضع آخر: "له درجات متفاوتة"([7])، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "اليقين يضعف ويقوى"([8]).


([1]) انظر: مفتاح دار السعادة 1/233.

([2]) انظر: مدارج الساكلين 2/379، ومكاشفة القلوب ص251، 252.

([3]) سورة التكاثر: 5-7.

([4]) سورة التكاثر: 8.

([5]) انظر: تفسير القرآن العظيم 4/3086، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص934.

([6]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 11/74.

([7]) الاستقامة 1/418.

([8]) كتاب التوحيد ص76.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 9:30 pm

أنواع اليقين

اليقين نوعان:


الأول : يقين في خبر الله تعالى، وهو الإيمان بيقين بكل ما جاء به الشرع من أمور الغيب، ويشمل أركان الإيمان وكل تفاصيلها الغيبية الثابتة بنص الكتاب أو السنة، ومن ذلك أشراط الساعة وتفاصيل البعث والنشور، والجنة والنار، ونحو ذلك، ومن ذلك مثلًا: يقين الرسول صلى الله عليه وسلم بنصر الله له وإظهار دينه في الوقت الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم يعاني من أقسى أنواع الأذى والحرب.


الثاني: يقين في أوامر الله تعالى الشرعية والكونية، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ([1]).


والمراد الاطمئنان الكامل مع العمل بتسليم وانشراح صدر بكل ما جاء في أوامر الله الشرعية والكونية، وهذا قد يكون ثقيلًا على ضعاف الإيمان، كمن قد يجادل حول تحريم الربا، أو وجوب الحجاب، أو يشكك في ميراث الأنثى، ونحو ذلك، فمن عنده يقين لا يمكن أن تطرأ عليه هذه الشبهات وأمثالها، وإن طرأت عليه فسرعان ما يدفعها بالإيمان والعلم واليقين.


علامات أهل اليقين




كيف تعرف أن عندك يقينًا، وأنك متحل بهذه الصفة العظيمة؟
لأهل اليقين علامات يعرفون بها، ويشعرون بأنفسهم بقوة يقينهم وتميزهم عن غيرهم بهذه الصفة العظيمة، ومن تلك العلامات على سبيل الإجمال ما يلي:


1- تعلق قلبك بالله تعالى وبيوته المساجد، وحرصك على إقامة الصلوات فيها وإحساسك بالراحة في المكث فيها.


2- ميل قلبك إلى مداومة قراءة القرآن وحفظه، وحرصك على فهمه وتدبره والعمل بما فيه.


3- حبك لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحرصك على اتباع ما كان عليه الرسول وأصحابه.


4- خوفك من الله تعالى وخشيتك من عذاب الله تعالى، وحذرك من الوقوع في المعاصي.
5- رجاؤك ما عند الله تعالى، وإحسان ظنك بالله جل وعلا، وإلحاحك بالدعاء.


6- تذكرك للموت وما بعده من مشاهد عظيمة في القبر ويوم القيامة، واستعدادك لذلك يدل على قوة يقينك.


7- خوفك على دينك وإيمانك من الضعف والنقص، وحرصك على إتمام النقص بإقامة النوافل من الصلوات والصدقات والصيام والعمرة والحج وغيرها من العبادات.


8- تمعر وجهك غضباً لله تعالى إذا انتهكت محارم الله وإذا قرأت أو سمعت من يلمز شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يتنقص أحدًا من أهل العلم والخير والصلاح.


9- قناعتك واطمئنانك بما رزقك الله تعالى، والحرص على شكر الله على نعمائه.


10- حبك لدعوة الناس للخير والاستقامة، وفرحك بانتصار دين الله عز وجل وظهور أتباعه دليل على يقينك.


هذه نماذج وأمثلة من أظهر علامات أهل اليقين، فراجع نفسك أخي المسلم، وتدبر هذه العلامات في قلبك وتصرفاتك وأعمالك، وما تجده ضعيفًا عندك فاجتهد بإحيائه وتجديده والعمل به، ليقوى يقينك واطمئنانك، فيعلو إيمانك ويزداد، وما تجده متمثلاً فيك فاعمل على زيادته، واسأل الله تعالى الثبات عليه.


([1]) سورة النساء: 65.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 9:34 pm

وسائل تقوية اليقين




لتقوية اليقين عند العبد وزيادته وثباته عليه أسباب ووسائل أهمها:
أولاً: تدبر القرآن الكريم، وبخاصة آيات توحيد الله تعالى وآيات عظمته، فإن معرفة الله عز وجل وتعظيمه في النفوس من أنفع الأسباب لتقوية اليقين.


ثانياً:مداومة قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والمطالعة في سنته، ومعرفة أخباره صلى الله عليه وسلم الدالة على دعوته وشفقته على أمته وصبره وجهاده من أعظم ما يقوي اليقين.


ثالثاً: قراءة نصوص الوعد والوعيد، الواردة في الكتاب والسنة، والتأمل في أوصاف الجنة وأوصاف أهلها، وأوصاف النار – أعاذنا الله منها – وأوصاف أهلها، وقراءة وفهم ما يدل على ما في القبر من أهوال عظيمة، كالفتنة والضمة ثم النعيم أو العذاب، كل ذلك من أقوى ما يزيد اليقين في النفوس.


رابعاً: القراءة فيما ثبت من قصص الأنبياء وأخبارهم، وبخاصة الآيات التي أيدوا بها من الله تعالى، ومنها المعجزات، وكذلك صبرهم وثباتهم في مواجهة أقوامهم كل ذلك يقوي اليقين، فاقرأ أخي المسلم قصص نوح وهود وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام، وغيرهم من الأنبياء، فهم أكمل الناس يقينًا واطمئنانًا وثقة بنصر الله.


فقد لاقوا من أقوامهم والسادة في عهودهم أقسى أنواع العنت والتكذيب والاستهزاء، فقابلوا ذلك بالإيمان والصبر والثقة بوعد الله تعالى واليقين بنصره سبحانه وتعالى، فصارت الغلبة لهم وتحقق مرادهم.


خامساً: معرفة أشراط الساعة، ما وقع منها وما لم يقع، وتكرار قراءة النصوص الدالة عليها وما تتضمنه من أهوال: كالدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام ويأجوج ومأجوج والخسوف والدخان وطلوع الشمس من مغربها والدابة، والنار التي تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم.


سادساً: دعاء الله تعالى والإلحاح بالدعاء بأن يقوي اليقين ويثبت القلب على الدين، كما جاء في الحديث السابق ذكره: «سلوا الله اليقين والمعافاة...» ([1])، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا...» ([2]).


سابعاً: ومن أعظم ما يقوي اليقين ويثبت العبد عليه: النظر والتفكر في آيات الله الكونية ومخلوقاته العظيمة، في السماوات والنجوم والكواكب، والأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار وحيوانات ونحو ذلك، وتأمل تدبير الله لذلك كله ومعرفة عظمة الله تعالى وعظيم قدرته، يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِبِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} ([3]) ويقول سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ} ([4]).


وتأمل قوله تعالى: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ([5]).


يقول السعدي في تفسير هذه الآيات – ما ملخصه-: يخبر تعالى خبرًا يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به، أنه تنزيل من الله، المألوه المعبود، لما اتصف به من صفات الكمال، وانفرد به من النعم، الذي له العزة الكاملة والحكمة التامة.


ثم أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، من خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أودع فيهما من المنافع، وما أنزل الله من الماء ,الذي يحيي به الله البلاد والعباد.


فهذه كلها آيات بينات، وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضًا على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنشر، ومن تدبر الآيات وتفكر فيها زاد يقينه وقوي إيمانه واطمأنت نفسه، بخلاف من أعرض عن تلك الآيات؛ ولهذا قسم الله عز وجل الناس بالنسبة إلى الانتفاع بالآيات إلى قسمين:
قسم يتدبرونها وينظرون فيها ويتفكرون بها فينتفعون ويرتفعون وهم المؤمنون العقلاء، حيث يصل بهم هذا النظر والتدبر والتفكر إلى درجة اليقين، فتزكى عقولهم وتطمئن نفوسهم وتزداد علومهم، ويندفعون إلى العبادة والاتباع ويجدون حلاوة الإيمان.


وقسم يسمع آيات الله ثم يعرض عنها ويستكبر، فلا يتدبرها ويتفكر بها، فيزداد طغيانًا بسبب استكباره عنها، بل إنه إذا علم من آيات الله شيئًا اتخذها هزواً، فتوعده الله بالويل فقال: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} أي كذاب في مقاله، أثيم في فعاله، وأخبر أن له عذابًا أليمًا وأن من ورائهم جهنم، وأنه لا يغني عنهم ما كسبوا من الأموال ولا ما اتخذوا من دون الله من أولياء يستنصرون بهم فيخذلونهم، في وقت هم أحوج إليهم فيه لو كانوا ينفعون([6]).


وقال تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} ([7])، ففي هذه الآيات يدعو الله سبحانه وتعالى عباده إلى التفكر والاعتبار بالآيات والأنفس لعلهم يوقنون، وهو شامل للتفكر في الأرض نفسها وما فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار ونبات تدل المتفكر فيها المتأمل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وعميم إحسانه وإحاطة علمه بكل شيء ظاهرًا وباطنًا.


وكذلك التفكر في نفس العبد؛ فإن فيها من العبر والحكمة ما يدل على وحدانية الله وأنه المستحق للعبادة دون سواه، وأنه لم يخلق الخلق سدى بل خلقهم لغاية عظيمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له.


والتفكر في ذلك كله يزيد اليقين ويقويه، فيدفع إلى العمل والعبادة بكل اطمئنان وراحة نفس([8]). ثم قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} أي مادة رزقكم من الأمطار وصنوف الأقدار، وهو رزق ديني ودنيوي، ثم قال: {وَمَا تُوعَدُونَ} من الجزاء في الدنيا والآخرة.


فلما بين الآيات ودعا إلى التفكر فيها، أقسم تعالى على أن وعده وجزاءه حق، وشبه ذلك بأظهر الأشياء وهو النطق فقال: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} فكما لا تشكون في نطقكم، فكذلك لا ينبغي الشك في البعث والجزاء.


فدل على أن العاقل اللبيب الذي يتأمل في الأنفس والآيات يزداد يقينه ويقوى إيمانه بالله تعالى واليوم الآخر ولا يعتريه أي شك ولا ريب([9]).


ثامنًا: ومن وسائل تقوية اليقين مجالسة العلماء والصالحين وحضور مجالس الذكر ودروس العلم؛ فإن ذلك مما يقوي اليقين ويرسخه في النفوس، ويصرف عنها أسباب الشبهات والخواطر الرديئة.


هذه أهم وسائل تقوية اليقين في النفوس، فتدبرها واعمل بمقتضاها أخي المسلم، فستجد ثمارها واضحة في الرقي بيقينك، وزيادة إيمانك، وستشعر بآثارها محسوسة على مظهرك الشرعي وسمتك الحسن.




([1]) سبق تخريجه.

([2]) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات ح 3502، وصحح الألباني في صحيح الجامع ح1279.

([3]) سورة الرعد: 2.

([4]) سورة الأنعام: 75.

([5]) سورة الجاثية: 1-10.

([6]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص775.

([7]) سورة الذاريات: 20- 23.

([8]) انظر: تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص809.

([9]) انظر: المصدر السابق، الصفحة نفسها.
avatar
SeIfElLaH
مجلس المدراء
مجلس المدراء

الأوسمة :
عدد المساهمات : 4488
نقاط : 6370
تاريخ التسجيل : 22/03/2010
العمر : 41

رد: اليقين مفهومه وآثاره ووسائل تقويته

مُساهمة من طرف SeIfElLaH في الثلاثاء فبراير 24, 2015 9:37 pm

الخاتمة



الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد:


فقد جلى هذا البحث المختصر بعض المسائل المتعلقة باليقين، بصورة مختصرة، ومن تلك المسائل:


أولًا: اليقين في اللغة مشتق من الفعل يَقِنَ، وليس من الفعل وقن الذي يدل على معنى آخر غير اليقين.


ثانيًا: أن مفهوم اليقين في الاصطلاح الشرعي هو العلم الجازم الذي لا يطرأ عليه شك في المعلوم، علم تطمئن النفس به، ويدفع للعمل بمقتضاه.


ثالثًا: أن لليقين منزلة عظيمة في الدين، فهو شعبة من أعلى شعب الإيمان وأعظمها مكانة بين أعمال القلوب.


رابعًا: أظهر البحث حكم اليقين، وأن له مرادين، ولكل مراد منهما حكمه. فقد يراد به اليقين بأصل الإيمان، فيكون بهذا المراد شرطًا من شروط لا إله إلا الله، وقد يراد به اطمئنان النفس وزيادة العلم بالمعلوم، فيكون درجة عظيمة من أعلى درجات الإيمان.


خامسًا: لليقين ثمرات عظيمة وآثار كبيرة على العبد في حياته ومعاده، من عرفها أو بعضها دفعته إلى الحرص على الرقي بيقينه.


سادسًا: لليقين مراتب ودرجات متفاوتة، بعضها أعلى من بعض، وقد بين البحث بعضها.


سابعًا: اليقين نوعان، يقين في خبر الله تعالى، ويقين في أوامره الشرعية والكونية.


ثامنًا: لأهل اليقين علامات يعرفون بها، فمن أراد أن يحاسب نفسه ويعرف يقينه فليراجع تلك العلامات التي ذكر البحث بعضها.


تاسعًا: يستطيع العبد أن يقوي يقينه ويزيده، وذلك بمعرفة وسائل تقوية اليقين والعلم بها، وقد ذكر البحث أهمها وأظهرها.

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 20, 2017 5:14 pm